أحمد بن محمد القسطلاني

162

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

بن عبد الله السبيعي أنه ( قال : سأل رجل ) من قيس ( البراء ) بن عازب ( - رضي الله عنه - فقال : يا أبا عمارة ) بضم العين وهي كنية البراء ( أوليتم ) أي أدبرتم منهزمين ( يوم ) غزوة ( حنين ) والهمزة للاستفهام الاستخباري ( قال البراء : وأنا أسمع ) هو من قول أبي إسحاق والواو للحال ( أما رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لم يول يومئذٍ ) لفرط شجاعته وثقته بوعد الله ورغبته في الشهادة ولقاء ربه ، ولا يجوز على نبي الانهزام ومن نسب أحدًا منهم لذلك قتل ، وحذف الفاء من جواب أما في قوله : لم يول قال ابن مالك هو جائز نظمًا ونثرًا يعني فلا يختص بالضرورة . ( وكان أبو سفيان بن الحرث ) بن عبد المطلب ( آخذًا بعنان بغلته ) البيضاء يكفها عن الإسراع به إلى العدوّ ( فلما غشيه المشركون ) أي أحاطوا به - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ( نزل ) عن بغلته ( فجعل يقول ) : ( أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب ) بسكون الموحدة فيهما وفيه التنويه بشجاعته - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وثباته في الحرب وانتسب لجدّه لشهرته في العرب أو لغير ذلك مما سبق . ( قال ) أي البراء ( فما رئي ) بضم الراء وكسر الهمزة وفتح الياء ( من الناس يومئذٍ أشد منه ) - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . وقد سبق هذا الحديث في الجهاد في باب من قاد دابة غيره في الحرب . 168 - باب إِذَا نَزَلَ الْعَدُوُّ عَلَى حُكْمِ رَجُلٍ هذا ( باب ) بالتنوين ( إذا نزل العدوّ ) من المشركين ( على حكم رجل ) من المسلمين ينفذ إذا أجازه الإمام . 3043 - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ هُوَ ابْنُ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رضي الله عنه - قَالَ : " لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ سَعْدٍ هُوَ ابْنُ مُعَاذٍ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَكَانَ قَرِيبًا مِنْهُ - فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ ، فَجَاءَ فَجَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ لَهُ : إِنَّ هَؤُلاَءِ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ . قَالَ : فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ ، وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ . قَالَ : لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمَلِكِ " . [ الحديث 3043 - أطرافه في : 3804 ، 4121 ، 6262 ] . وبه قال : ( حدّثنا سليمان بن حرب ) الواشحي قال : ( حدّثنا شعبة ) بن الحجاج ( عن سعد بن إبراهيم ) بن عبد الرحمن بن عوف القرشي المدني ( عن أبي أمامة ) بضم الهمزة وفتح الميمين بينهما ألف سعد ( هو ابن سهل بن حنيف ) بضم الحاء المهملة وفتح النون مصغرًا الأنصاري ( عن أبي سعيد ) سعد بن مالك بن سنان ( الخدري ) الأنصاري ( - رضي الله عنه - ) أنه ( قال : لما نزلت بنو قريظة ) القبيلة المشهورة من اليهود من قلعتهم ( على حكم سعد ) هو ابن معاذ ، وكان عليه الصلاة والسلام فيما ذكره ابن إسحاق قد حاصرهم خمسًا وعشرين ليلة وقذف الله في قلوبهم الرعب فأذعنوا أن ينزلوا على حكم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فحكم فيهم سعد بن معاذ وكان قد رمي في غزوة الخندق بسهم قطع منه الأكحل فلما نزلت على حكمه ( بعث رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) أي في طلبه ( وكان ) سعد ( قريبًا منه ) لأنه عليه الصلاة والسلام قد جعله في خيمة رفيدة الأسلمية ليعوده من قريب في مرضه الذي أصابه من تلك الرمية ( فجاء ) ومعه قومه من الأنصار ( على حمار ) وقد وطؤوا له بوسادة من أدم وأحاطوا به في طريقهم يقولون له أحسن في مواليك فقال لهم : لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم وكان رجلاً جسيمًا ( فلما دنا ) أي قرب من رسول الله ( قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( قوموا إلى سيدكم ) فقاموا إليه وأنزلوه ( فجاء ) سعد ( فجلس إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال له ) عليه الصلاة والسلام : ( إن هؤلاء ) اليهود من بني قريظة ( نزلوا على حكمك ) فيهم ( قال ) سعد ( فإني أحكم ) فيهم ( أن تقتل ) الطائفة ( المقاتلة ) منهم وهم الرجال ( وأن تسبى الذرية ) أي النساء والصبيان ( قال ) عليه السلام : ( لقد حكمت فيهم بحكم الملك ) بكسر اللام أي بحكم الله . ونقل القاضي عياض أن بعضهم ضبطه في البخاري بكسر اللام وفتحها فإن صح الفتح فالمراد به جبريل يعني بالحكم الذي جاء به الملك عن الله ، وعورض بأنه لم ينقل نزول ملك في ذلك بشيء ولو نزل بشيء اتبع وترك الاجتهاد ، وبأنه ورد في بعض ألفاظ الصحيح قضيت بحكم الله . نعم ورد في غير البخاري مما ذكره بعضهم أنه قال في حكم سعد بذلك طرقني الملك سحرًا . قال ابن المنير : ويستفاد من هذا الحديث لزوم حكم المحكم برضا الخصمين سواء كان في أمور الحرب أو غيرها وهو رد على الخوارج الذين أنكروا التحكيم على عليّ - رضي الله عنه - ، وفيه أيضًا تصحيح القول بأن المصيب واحد أن المجتهد ربما أخطأ ولا حرج عليه ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " لقد حكمت بحكم الملك " فدل ذلك على أن حكم الله في الواقعة